العيني
162
عمدة القاري
من الكعبين ) كشف الكعبين في الإحرام ، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال : إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه . وقال بعضهم : وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية : الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك . وقيل : إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة . قلت : الذي قال : لا يعرف عند أهل اللغة ، هو ابن بطال ، والذي قاله هو لا يعرف ، وكيف والإمام محمد بن الحسن إمام في اللغة والعربية ؟ فمن أراد تحقيق صدق هذا فلينظر في مصنفه الذي وضعه على أوضاع يعجز عنه الفحول من العلماء والأساطين من المحققين ، وهو الذي سماه ( الجامع الكبير ) والذي قاله هو الذي اختاره الأصمعي ، قاله الإمام فخر الدين . قوله : ( لا تلبسوا ) يدخل فيه الإناث أيضا ، ذكره ليشمل الذكور والإناث . قوله : ( مسه الزعفران ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنه صفة لقوله : ( شيئا ) ، والزعفران اسم أعجمي ، وقد صرفته العرب فقالوا : ثوب مزعفر ، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة ، ويجمع على : زعافر . وقال أبو حنيفة : لا أعلمه ينبت شيء منه من أرض العرب ، والورس ، بفتح الواو وسكون الراء وفي آخره سين مهملة ، وقال أبو حنيفة : الورس يزرع بأرض اليمن زرعا ، ولا يكون بغير اليمن ، ولا يكون منه شيء بريا ، ونباته مثل حب السمسم ، فإذا جف عند إدراكه تفتق فينفض منه الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سنين أن يقيم في الأرض ينبت ويثمر . وقال الجوهري : الورس نبت أصفر يكون باليمن يتخذ منه الغمرة للوجه ، تقول منه : أورس المكان وورست الثوب توريسا : صبغته بالورس ، وملحفة وريسة : صبغت بالورس . وقال ابن بيطار في ( جامعه ) : يؤتى بالورس من الصين واليمن والهند وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم ، وهو يشبه زهر العصفر ، ومنه شيء يشبه نشارة البابونج ، ومنه شيء يشبه البنفسج ، ويقال : إن الكركم عروقه . ذكر ما يستفاد منه : وهو على وجوه : الأول : يحرَّم على المحرم لبس القميص ، ونبه به في الحديث على كل مخيط من كل معمول على قدر البدن أو العضو ، وذلك مثل الجبة والقفازين ، وقال الترمذي : باب ما جاء في الذي يُحْرم وعليه قميص أو جبة ، ثم قال : حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا عبد الله بن إدريس عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن يعلى بن أمية . قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيا قد أحرم وعليه جبة ، فأمره أن ينزعها . وفي بعض طرقه : قميص ، بدل : الجبة ، وهي رواية ( الموطأ ) . وفي رواية مقطعات ، وفي أخرى : أخلاق ، والقصة واحدة ، ولا يجب قطع القميص والجبة على المحرم إذا أراد نزعها ، بل له أن ينزع ذلك من رأسه وإن أدى إلى الإحاطة برأسه ، خلافا لمن قال : يشقه ، وهو قول الشعبي والنخعي ، ويروى ذلك أيضا عن الحسن وسعيد بن جبير ، وذهب الجمهور إلى جواز نزع ذلك من الرأس ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ، والحديث حجة لهم ، ولو ارتدى بالقميص لا يضره . الثاني : يحرّم عليه السراويل ولا يجب عليه قطعه عند عدم الإزار ، كما ورد في الخف ، وبه قال أحمد ، وهو الأصح عند أكثر الشافعية ، قاله الرافعي . وقال إمام الحرمين والغزالي : إنه لا يجوز لبس السراويل إلاَّ إذا لم يتأت فتقه وجعله إزارا ، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه ، فإن لبسه لزمه الفدية . قال الخطابي : ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال : يشق السراويل ويتزر به ، وفي شرح الطحاوي ، فإن لم يجد رداء فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به ، وإذا لم يجد الإزار فتق السراويل ، فإن لبسه ولم يفتقه لزمه دم . الثالث : لا يتعمم ، قال الخطابي : ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس ، لا بالمعتاد ولا بالنادر . قال : ومن النادر المكتل يحمله على رأسه . قلت : مراده أن يجعله على رأسه كلبس القبع ، ولا يلزم شيء بمجرد وضعه على رأسه كهيئة الحامل لحاجته ، ولو انغمس في الماء لا يضره ، فإنه لا يسمى لابسا ، وكذا لو ستر رأسه بيده . الرابع : الخفاف ، الشرط في الخفين القطع ، خلافا لأحمد فإنه أجاز ليس الخفين من غير قطع ، وهو المشهور عنه ، وحكى عن عطاء مثله . قال : لأن في قلعهما فسادا . قال الخطابي : يشبه أن يكون عطاء لم يبلغه حديث ابن عمر ، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة ، فأما ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بفساد . قال : والعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه . وقلت : سنة لم تبلغه ، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج بلفظ : ( من لم يجد نعلين فليلبس خفين ) . قلت : أجابت الحنابلة عنه بأشياء : منها : دعوى النسخ في حديث ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، فإن البيهقي روى عن عمرو بن دينار ، قال : لم يذكر ابن عباس